المقريزي

47

المقفى الكبير

فقال عبد الملك : قد أعطيناك عهدا وموثقا ، ولا سبيل إلى قتلك . واللّه لا تساكننّي في بلد أبدا ، فالحق بحيث شئت وانزل من الأرض حيث أحببت ! قال : فإنّي أختار مصر . فنزل مصر . وكان يرى رأي الصفريّة . فلمّا مات عبد الملك ، كتب الحجّاج إلى الوليد بن عبد الملك أنّ ذمّة عبد الملك أمير المؤمنين قد وفت ، ولا أمان لعدوّ اللّه جوّاز الضبّيّ ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث به إليّ فليفعل ! فكتب الوليد إلى قرّة بن شريك العبسيّ ، وكان عامله على مصر أن ابعث [ 402 ب ] إليّ بجوّاز الضبيّ . فبعث به إليه . فلمّا رآه قال : انطلقا به إلى الحجّاج ! قال : إنّي في أمان أبيك ، وأنا في ذمّته . قال : لا بدّ من الحجّاج ! قال : مثلك واللّه أخفر « 1 » أباه واستهان بذمّته . فلمّا قدم به على الحجّاج ، قال : جوّاز ؟ قال : نعم . قال : أبلغ من أمرك أن تردّ على أمير المؤمنين ؟ قال : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا [ طه : 72 ] . فقال الحجّاج لصالح بن عبد الرحمن : قم فاضرب عنقه . فمشى إليه فضرب عنقه خوفا من الحجّاج . وكان يستغفر اللّه من ذلك ، وذلك أنّ صالحا كان يرى رأي الخوارج « 2 » ، وكان يزيد ابن أبي مسلم مولى الحجّاج يعاديه . فلمّا جيء بجوّاز أراد يزيد مكايدة صالح وأشار بأن يتولّى قتل جوّاز . فإن فعل اغتالته الخوارج ، وإن أبى قتله الحجّاج . فقال الحجّاج : قم إليه فاضرب عنقه ! قال صالح : لمّا دعوت بالسيف أردت أن أطرحه فخفت أن يسبي الحجّاج بناتي . وو اللّه ما دعاني إلى قتله رغبة في الحياة ، ولكن خفت عليهنّ . ومشى صالح فقتله . ثمّ لم يزل خائفا من الخوارج حتّى عذّبه عمر بن هبيرة في زمن يزيد بن عبد الملك ، ثمّ طرح على مزبلة على باب العذاب ، وبه رمق . فسمع على المزبلة وهو يقول : لا حكم إلّا للّه ! استغفر اللّه من قتل جوّاز . اللّهمّ اغفر لي ولا أراك تفعل ! 1099 - هزار الملوك الأمير جوامرد [ - 524 ] « 3 » [ 403 أ ] جوامرد ، الأمير الأفضل ، هزار الملوك . كان هو والعادل برغش أخصّ غلمان الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ المنصور [ ابن المستعلي ] حتى إنّه وهب لهما في يوم واحد مائتي ألف دينار عينا .

--> - كان أبوه من سبي سجستان ، ومهر في الكتابة وكتب لزاذان فرّوخ كاتب الحجّاج حتى قتل في فتنة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فاستكتبه الحجّاج بعد زاذان وقلب الدواوين من الفارسيّة إلى العربيّة ، وكان على خراج العراق في أيّام يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة . وهذا الندم من القاتل مذكور في الكامل للمبرّد 2 / 196 . ( 1 ) خفر العهد وأخفره : وفي به أو نقضه ( من الأضداد ) . ( 2 ) حاشية تعرّف بصالح بن عبد الرحمن : مولى بني سعد ، - ( 3 ) خبر جوامرد وبرغش في الاتّعاظ 3 / 137 ؛ والنجوم 5 / 241 .